بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وال محمد
قرأت هذا الموضوع وقد أثار إعجابي فأحببت أن تقرؤه وتستفيذو منه
ذات يوم من ايام شعبان قرأت المناجاة المروية عن امير المؤمنين علي عليه السلام والمعروفة بالمناجاة الشعبانية ، واضطربت حالي وانا في وسط المناجاة ، وذهلت عن نفسي فلم اعد ادري اين وما الذي افعل ، ورأيت الله ببصيرتي ، وشاهدت نوره المقدس وذاته المقدسة المتعالية التي هي مصدر الفيض حتى اذا وصلت الى هذا
المقطع : «الهي ، بك عليك الا الحقتني بمحل اهل طاعتك ، والمثوى الصالح من مرضاتك فاني لا اقدر لنفسي دفعا ، ولا املك لها نفعا . الهي ، اناعبدك الضعيف المذنب ، ومملوكك المنيب فلا تجعلني ممن صرفت عنه وجهك ، وحجبه سهوه عن عفوك . الهي هب لي كمال الانقطاع اليك ، وانر ابصار قلوبنا بضياء نظرها اليك ، حتى تخرق ابصار القلوب حجب النور ، فتصل الى معدن العظمة ، وتصير ارواحنا معلقة بعز قدسك» .
وفي تلك اللحظات شعرت بالفناء في جمال الحق ، حتى انني لم اكن استطع قراءة هذه الجمل ، بل كانت تجري في قلبي وروحي ، فتمزقت حجب النور ، وبلغت معدن العظمة والعزة والكرامة .
وفي هذه المكاشفة اكتشفت حجب النور التي لا يعرفها الكثير من الناس .
.
وفي هذه المكاشفة عرفت معنى الوصول الى معدن العظمة والرحمة .
وفي هذه المكاشفة ادركت معنى العبودية التامة .
وادركت اني لا شيء في حضرة المعبود ، ولعلك تسأل كيف اكتشفت ذلك في هذا المقطع من المناجاة ؟
فاقول لك : ان في بعض من هذه الحالات تكون الروح في لحظات لا يمكن تصويرها حتى لو سود المرء مئات الصفحات ، او تكلم ساعات وساعات . لكني بحول الله وقوته سأشرح لك ما تيسر لي وساعدك الفهم عليه .
اولا : قلت : انني ادركت في هذه المكاشفة معنى حجب النور ؛ اجل يا عزيزي ، ان حجاب النور يكون مرة في هدف غير الهي لكن فيه رضا الله ، كما هو الحال في العبادة رهبة من النار او اداء الاعمال المستحبة التي تستجلب الرزق ، او عبادة لدفع البلاء .. وهذه اهداف لا توجب سخط الله سبحانه ، بل اننا نجد الله سبحانه في كتابه يحث الناس على ذلك ، ومع هذا فان مثل هذه الاهداف لا توصل الى الله ، ولا تجعل صاحبها في زمرة المحبين المخلصين .
ذلك ان هدفهم ليس الله ، وهذه الاهداف ستكون حجابا ؛ لانها تتنافى مع الخلوص الحقيقي غير انها نور . فهي ليست مبغوضة من لدن الله تعالى ، وقد احلها الله عز وجل ، وهي متضادة مع الاهداف الشيطانية ، والاهداف الشيطانية حجاب ظلماني ، فالاهداف الشيطانية حجب ظلمانية تجعل صاحبها يعيش في ظلمات بعضها فوق بعض .
ولكن الانسان عندما يمزق حجب النور ، يعني انه وصل مقام الخلوص ، واعرض عن رغباته النفسية ، حلالها وحرامها ، فلا يريد شيئا الا الوصل مع المحبوب ، قد ملأ حب الله قلبه ، ولم يعد في قلبه من حب لغيره ، حتى قدر ذرة ، فهو منقطع الى الله ، اخترق حجب النور ، وحظى بوصل المحبوب ، وبلغ الحقيقة .
ثانيا : قلت : انني لامست في هذه المكاشفة معنى الانقطاع عن الخلق .
اجل يا عزيزي ، انني اجتزت حجب النور في تلك المكاشفة ، وحصلت على الخلوص الحقيقي ، وعرفت انني احب فطرة الكمالات الجمالية والجلالية ، وانها تتجمع في نقطة واحدة هي الله تبارك وتعالى .
ان فطرتي تتجه اليه ، لا من اجل النعم التي افاضها علي ، ولا من اجل طمع حبه .. انني احبه لانه محبوب ، وانني كنت احبه ولا احب احدا سواه ، فكيف وانا احتاج الى المحبوب .
ثالثا : قلت : انني ادركت في هذه المكاشفة معنى الوصول الى معدن العظمة والرحمة .
نعم ! لقد انتبهت الى ان الغاية الحقيقية من «السير الى الله» هو الوصول الى هذا المعدن ، والمعدن بعني مركز الجواهر والاشياء الثمينة ، ولا ريب انه لا شيء يفوق المعدن قيمة ، ولو ان الله وهب احدهم قدرا منها لاصبح قريبا من الله .
وقد لاحظت ان معدن الكمال الذي يتوجب بلوغه ، وقد بلغته ، هو الانوار المقدسة لارواح المعصومين عليهم السلام ؛ لانهم اول ما خلق الله .
ذلك النور الذي تتجلى فيه صفات الكمال الالهية .
ذلك النور الذي نقرأه في المناجاة الرجبية : «لا فرق بينك وبينها الا انهم عبادك وخلقك».
واخيرا ذلك النور المقدس لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمعصومين من ذريته ؛ ذلك انهم معدن الرحمة الالهية ، وقد جاء في الزيارة الجامعة : «السلام عليكم يا اهل بيت النبوة ، ... ومعدن الرحمة» .
وهي الرحمة التي نجدها في دعاء كميل رضي الله عنه : «وبرحمتك التي وسعت كل شيء» ، وهي الرحمة التي لو وسعت حال امرئ لبلغ بها المجد والكمال .
المصدر : كتاب ( بين يدي الأستاذ)