بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم .. يا كريم
سنتناول خلال هذا الموضوع بحث
"
عدالة الصحابة بین العاطفة والبرهان "
لسماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )
وسيكـون ذلك على أجزاء .. ندعو الله العلي القدير أن يوفقنا لعرضها تباعا
* * *
اتجاهان حول الصحبة والصحابة
تمهيد
لقد احتدم النزاع منذ عصر مبكّر حول الصحبة والصحابة، أعني: الذين التفّوا حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاضوا معه المعارك والمغازي، ورفعوا رايةَ الإسلام خفّاقة في أحلك الظروف، وأشد المواقف، وجاهدوا بين يديه بأنفسهم ونفيسهم حتّى نشروا الإسلام في ربوع الأرض.
ولا شكّ في أنّ هذا يثير مشاعر كلّ مسلم واع يعتزّ بدينه وشريعته ورسوله وقرآنه، ويشدّه إلى حبّهم وودّهم حتّى صار حب الصحابة من مظاهر حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد اشتهر بأنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، فمن أحب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أحب المتعلّمين على يديه والمجاهدين دونه.
هذا ممّا لا سترة ولا خلاف فيه، إنّما الكلام في أنّ مجرّد صحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء أكانت قصيرة الأمد أم طويلته، هل تجعل الصحابي إنساناً مثالياً بعيداً عن المعاصي، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها طول عمره؟!
أو انّ صحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته، وأنّ كلّ من صحبه يستضيء بنوره وبيانه حسب قابلياته واستعداداته؟!
ولأجل ذلك ظهر هنا اتجاهان:
أحدهما: عدالة الصحابة برُمّتهم استغراقاً في حبهم ونزولاً عند حكم العاطفة لصاحب الشريعة وأنصاره، وهو خيرة جمهور أهل السنّة.
ثانيهما: انّ صحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته حسب قابلياته، فمنهم من بلغ قمة الكمال حتّى أصبح يُستدرّ به الغمام، ومنهم من لم يبلغ هذا الشأن ولكن استضاء بنور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحسنت صحبته وسلمت سريرته، ومنهم من لم ينل إلاّ حظاً قليلاً، وما هذا إلاّ لتفريطه وتقصيره.
والنظرية الثانية هي خيرة الشيعة الإمامية ولفيف من غيرهم.
فالغاية من تأليف هذه الرسالة هو القضاء بين هذين الاتجاهين على ضوء القرآن الكريم والسنّة الشريفة والتاريخ الصحيح والعقل الحصيف بأسلوب موضوعي بعيد عن التعصّب والعاطفة .
ويأتي ما هو المقصود ضمن أُمور:
1
مَن هو الصحابي؟
اختلفت كلمة جمهور أهل السنّة في تعريف الصحابي مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حكم (عدالة الصحابي) لم يُحدَّد موضوعه سعة وضيقاً عندهم. وإليك نصوصهم في هذا الشأن:
1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.
2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.
3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.
4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف، فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، ولا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.
6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبةُ ولو ساعة ولكن العرف يخصُّصه بمن كثرت صحبته.
قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه «هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة. ([1])
إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطة ومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.
وأعجب منه كما تقدّم انّهم اتّفقوا على عدالة كل صحابي مع أنّهم اختلفوا في مفهوم الصحابي اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العدالة رهن اتّفاقهم على تعريف محدد وجامع للمفهوم الصحابي.
---------------------------
[1] - أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.
=== له تتمــة ...